قصة مولد جيل النصر والتمكين – د. محمد بهجت الحديثي

قال تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ} [يوسف: 1-3].

إن دراسة التاريخ مهمة جدًّا في حياة البشر بصفة عامة، وهي أكثر أهمية في حياة المسلمين بصفة خاصة؛ لأن هذا أمر إلهي مباشر جاء في كتاب الله تعالى {فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176].

من أجل ذلك كانت دراسة قصص الأنبياء دراسة وافية، والاطلاع عليها بصورة تفصيلية -كأن نقرأ أحد كتب القصص أو نسمعها على شكل أشرطة صوتية- خطوة من أهم الخطوات التي تساعد على فهم جوهر الإسلام، ورفع الهمة والعزيمة، والاستفادة من هذه التجارب الإنسانية الغنية، تجارب الأنبياء -عليهم السلام- من خلال التدبر في قصصهم التي ذكرها الله تعالى لنا في القرآن الكريم؛ لكي نتعلم منها، ولكي ننفذ أمر الله تعالى الذي أمرنا بأن نقتدي بهم وأن نهتدي بهداهم؛ قال تعالى عن الأنبياء -عليهم السلام-: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّة} [الأنعام: 89].

كل ما علينا فعله هو دراسة سيرهم؛ وذلك لاستخلاص العبرة والعظة، ولفَهم القرآن الكريم حيث إن ثلث القرآن تقريبًا يتحدث عن قَصَص الأنبياء، وحتى يتسنى لنا الاقتداء بهم كما أمرنا الله تعالى بذلك: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90].

ومن أعظم القصص التي وردت في القرآن الكريم قصة نبي الله موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، وقد ذكرت هذه القصة في أكثر من 73 موضعًا في القرآن الكريم.

وهذه دعوة للاطلاع معًا على عِبر من هذه القصة العظيمة، والتي من خلالها سوف نعرف -بإذن الله تعالى- أن الأمل في قيام أمة الإسلام من جديد كبير جدًّا، وكل ما علينا فعله هو الرجوع إلى المنهج الرباني القويم والتمسك به وتطبيقه.

بداية القصة.. فرعون القائد

لقد كان فرعون قائدًا لمصر {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} [الزخرف: 51]، ورفع شعارات خداعة -في ظاهرها الخير وفي باطنها العذاب- توهم الشعب أن فيها مصلحته فقال: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر: 29]. وكان يدير الأمور بدكتاتورية بالغة، وقد قال كلمته التاريخية التي اقتدى بها كل الطغاة من بعده: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى} [غافر: 29].

هذه الكلمة التي أصبح الطغاة يرددونها دائمًا حين يواجهون شعوبهم (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى)، فهذا رأيي الخاص وهو رأي يهديكم سبيل الرشاد، وكل رأي غيره خاطئ، وينبغي الوقوف ضده واستئصال كل من يؤمن أو يعتقد به. وقال: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات: 24].

وكذلك كان شأن الحكام والقادة والرؤساء والمسئولين الطغاة، فهو الرئيس الآمر الناهي، وكل ما يفعله جميل، وكل ما يقوله مقدس، وكل ما يصدر عنه صواب، وكل تاريخه أمجاد، وكل رجاله ملائكة، وقد كان فرعون يُغرى أتباعه بمصالح دنيوية فيقول: {وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51].

وكذلك يفعل الطغاة، لكننا لا نستطع أن ننكر أنه كان قائدًا لقومه! صحيح أنه ساق شعبه إلى الهاوية في الدنيا، وكذلك في الآخرة يقود أتباعه ومن كان يحبه ويطيعه طاعة عمياء إلى المصير المحتوم {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود: 98]. ولكن الشعوب تبعته وسارت وراءه، بعضهم طوعًا والبعض كرهًا {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54].

استخف بعقولهم، واستخف بحريتهم، واستخف بمستقبلهم، واستخف بآدميتهم، فأطاعوه. أليست هذه طاعة غريبة؟! إذا كان يمكن أن يكون الإنسان قائدًا ولو كان منحرفًا، ولكن ليست هي الصورة المنشودة في القائد المسلم الذي يقود جيل النصر؛ حتى يُمَكِّنه الله تعالى في أرضه.

وقفة مع علم النفس

وقفة مع ومضات مضيئة من علم النفس.. النموذج المثالي للاستبداد (Prototype)[1]:نعتد في علم النفس بما يسمى النموذج المثالي أو الأصلي، وهو نموذج تتوافر فيه كل الأركان أو أغلبها على الأقل بحيث يصبح أصلح النماذج للقياس عليه وضرب المثل به، فهو يمثل ظاهرة معينة في أوضح وأتم صورها ومعانيها. وإذا جئنا إلى موضوع الاستبداد نجد أن النموذج المثالي له يتمثل في قصة فرعون التي وردت في الكتب السماوية، ووردت بقوة في القرآن الكريم وتكررت 74 مرة في 28 سورة من سور القرآن.

وهذا الحضور القوى المتكرر لقصة فرعون يُشير إلى أن ما تمثله هذه القصة من استبداد يعتبر مرضًا عضالاً تحتاج البشرية لمواجهته، وهذا ما أيده التاريخ في كل مراحله، فلم يحدث أن عانى البشر من شيء مثل معاناتهم من الاستبداد بصوره ومستوياته المختلفة.

النموذج الفرعوني في القرآن

ولقد وضح لنا القرآن الكريم الأركان الأساسية والأدوات المهمة التي تعتمد عليها “الظاهرة الفرعونية” أو “النموذج الفرعوني” للوصول إلى الاستبداد، ويمكن تلخيصها فيما يلي:

أولاً- أركان الاستبداد:

هناك أطراف (أركان) ثلاثة تتحالف مع بعضها وتتآمر لخلق منظومة الاستبداد، وهي:

“الأول: الحاكم المتأله المتجبر في بلاد الله، المتسلط على عباد الله، ويمثله فرعون.

الثاني: السياسي الوصولي، الذي يسخر ذكاءه وخبرته في خدمة الطاغية، وتثبيت حكمه، وترويض شعبه للخضوع له ويمثله هامان.

الثالث: الرأسمالي أو الإقطاعي المستفيد من حكم الطاغية، فهو يؤيده ببذل بعض ماله، ليكسب أموالاً أكثر من عرق الشعب ودمه، ويمثله قارون.

ولقد ذكر القرآن هذا الثالوث المتحالف على الإثم والعدوان، ووقوفه في وجه رسالة موسى، حتى أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ * إلى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [غافر: 23، 24]، {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءهُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} [العنكبوت: 39].

والعجيب أن قارون كان من قوم موسى، ولم يكن من قوم فرعون، ولكنه بغى على قومه، وانضم إلى عدوهم فرعون، وقبله فرعون معه؛ دلالة على أن المصالح المادية هي التي جمعت بينهما، برغم اختلاف عروقهما وأنسابهما”[2].

الاستبداد

 ثانيًا : أدوات الإستبداد:

لا بد للاستبداد من أدوات للترهيب والترغيب حتى تخضع له الرقاب ويسلم له العباد إرادتهم وخياراتهم. والمستبد يعرف جيدًا مواطن ضعف البشر، ويحاول استغلالها بأبشع الطرق وأكثرها حقارة ودهاءً في نفس الوقت، ومن أهم هذه الأدوات:

1- السلطة (فرعون): فالأب المستبد يستغل نفوذه المالي وقوته الجسدية ومكانته المعنوية في قهر أبنائه، وكذلك تفعل الأم المستبدة، والزوج المستبد يستغل حق القوامة -كما يفهمه- ويستغل تفوقه العضلي وربما المالي في إذلال زوجته والتسلط عليها.. والمسئول المستبد يستغل ما يملك من صلاحيات للتحكم في رقاب مرءوسيه، والحاكم المستبد يستغل جنوده (الشرطة والجيش والأمن والمخابرات) لإرهاب رعيته، ويستغل النظام السياسي الموالي له لإضفاء الشرعية على أفعاله وتجريد خصومه من تلك الشرعية، ووصفهم بالتآمر والخيانة والإفساد في الأرض وتعكير صفو الأمن.

2- المناصب (هامان): ينتقي المستبد من بين الناس، أولئك المتعطشين للمناصب والراغبين في العلو بأي ثمن، فيستخدمهم ويستعملهم كدروع له وكأدوات لحمايته وتبرير أفعاله وتمجيده، وتحلية صورته أمام العامة.

3- المال (قارون): ومن لا يصلح معه الترهيب بالسلطة يصلح معه الترغيب بالمال، ولهذا يحرص المستبد على إمساك الثروة في يده؛ لتكون وسيلة ضغط على من تحت يده ووسيلة ترغيب وشراء ذمم.

4- الإعلام (سَحَرة فرعون): فالمستبد يحتاج لمن يُداري سوءاته، ويُزين عوراته ويسوق مشروعاته وأفكاره بين الناس، ويُبرر أخطاءه ويحولها إلى انتصارات، ويمارس التزييف للوعي والتخدير للعقول ودغدغة المشاعر طول الوقت. ومن هنا يمكن أن نعتبر الإعلاميين الموالين لأي مستبد بمنزلة سحرة فرعون الذين كانت مهمتهم أن يسحروا أعين الناس؛ بمعنى: تزييف وعيهم.

5- القتل والتعذيب: وهذه من علامات الضعف وليس القوة مطلقًا، فالمستبد غالبًا ما يجد أن أسهل طريقة للتخلص من خصومه أو منافسيه هي في قتلهم أو تعذيبهم أو سجنهم بغير حق، فتجد المستبد الطاغية يسارع إلى قتل كل من يشك -مجرد الشك- بأنه قد يفكر -مجرد التفكير- بمنافسته على كرسي الحكم، قال تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِن رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49].

وهذا ما فعله فرعون عندما أصدر قراره الشهير بقتل كل مولود ذكر من بني إسرائيل -حيث سمعهم يتحدثون عن نبوءة تقول: إن واحدًا من أبناء إسرائيل سيُسقط فرعون مصر عن عرشه- فأصدر الفرعون أمره ألا يلد أحد من بني إسرائيل؛ أي أن يُقتل أي وليد ذكر.

قصة مولد جيل النصر والتمكين

قال تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 3-6].

ونلاحظ أن الله -سبحانه وتعالى- يُخاطب الذين استضعفهم فرعون، يصبرهم ويقول: “إننا نريد أن نتفضل على الذين استضعفهم فرعون في الأرض، ونجعلهم قادة في الخير ودعاة إليه، ونجعلهم يرثون الأرض بعد هلاك فرعون وقومه”[3].

ومباشرة بعد هذه الآيات والتي صورت ظلم فرعون وجنوده والوعد الرباني بالنصر والتمكين، جاء الحل في الآية التالية: {وَأَوْحَيْنَا إلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7]. وكأن هذه الآية هي بداية تحقيق الوعد الرباني، ولكن كيف؟ فالآيات بعد أن أشارت إلى عُلو فرعون وتجبره وإلى حتمية التغيير، انتقلت إلى جو مختلف تمامًا: أم تُرضِع ابنها، فما العلاقة؟! إن في ذلك إشارة بأن النصر يبدأ بأمهات تربي أطفالها، وترضعهم -مع الحليب- التمسك بهذا الدين، والثقة بوعد الله تعالى.

إنها قصة مولد جيل جديد، بدأت بأم واثقة من وعد الله تعالى لها، آباء وأمهات يُربون أولادهم على طاعة الله والالتزام بمنهج الله والثقة بنصره جل وعلا. وهنا نرى بشكل واضح أن الحل كان في تربية جيل يحمل همّ الإسلام وهم الدعوة إلى الله، جيل واثق من نصر الله تعالى. كما أن هذه الآية تسلط الضوء وبشكل واضح على دور المرأة ودور الأسرة في نصرة هذا الدين.

قال تعالى على لسان سيدنا موسى -عليه السلام-: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 88-92].

لقد مات فرعون مصر، ولم تُقبل توبته على الرغم من أنه نطق بكلمة التوحيد وشَهِدَ بأنه لا إله إلا الله وأنه من المسلمين {قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، لماذا؟ لأنه ما نطق بها إلا عندما رأى الهلاك وعلم ذلك وعاينه، يقول العلماء: إن الإيمان إنما ينفع إذا لم يُعاين العبد ولم يُغرغر. لأنه إذا عاين صار من باب الإيمان بالشهادة، وليس من الإيمان بالغيب.

غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل، وكانت معجزة شق البحر لم تزل طريَّة في أذهانهم، بل -وحفظ الله تعالى- صورة اللحظات الأخيرة لموته في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وأنجى الله تعالى بدنه ليراه كل الناس، لماذا؟ لأن فرعون كان يريد الخلود في الدنيا، وليكون عبرة لكل الطغاة من بعده.

وعلى الرغم من موته، ظل أثره باقيًا في نفوس بني إسرائيل؛ فمن الصعب على سنوات الدكتاتورية والقهر الطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقد عوّد فرعون بني إسرائيل الذل لغير الله، هزم أرواحهم، وأفسد فطرتهم، فعذبوا موسى عذابًا شديدًا بالعناد والجهل.

ملاحظة مهمة: لم يكتف القرآن الكريم بفضح الفرعونية والإنكار الشديد عليها، وإنما حمّل المسئولية كذلك للجماهير الرّاضخة المستسلمة للاستبداد، فقال تعالى عن فرعون: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54]. فالظاهرة الفرعونيَّة تتشكل من الطاغيّة من جهة، والأمة المتّصفة بالسلبية من جهة ثانية[4].

وقد يبدو للنظر القصير أن مجموعة المحيطين بالمستبد ضحايا له، إذ يُعَانون من استبداده ويتحملونه على مضض، وهذا صحيح من جانب واحد، أما الجانب الآخر فهو أنهم شاركوا في صنع هذا المستبد، بعضهم شارك بالأقوال والأفعال التي ضخمت ذات المستبد (كالمدح والثناء والتصفيق والتبرير لكل صفات المستبد وأفعاله والمشاركة في تنفيذ مشروعاته)، وبعضهم الآخر شارك بالصمت والانكماش؛ مما سمح لصوت المستبد أن يعلو عمن سواه، وسمح لذاته أن تتمدد في الفراغ الذي انسحب منه الآخرون كرهًا أو طوعًا[5].

انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى – عليه السلام- وهي تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والتعذيب على يد فرعون وجنده، والسير بهم إلى الديار المقدسة. لكن القوم لم يكونوا على استعداد للمهمة الكبرى، مهمة الخلافة في الأرض والحكم بما أنزل الله. فكان لا بد من رسالة مفصلة ومنهج رباني لتربية هذه الأمة وإعدادها لما هم مقبلون عليه. من أجل هذه الرسالة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142].

فتلقى موسى -عليه السلام- بشرى الاصطفاء، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص، قال تعالى: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144]. ثم يبين الله تعالى مضمون الرسالة: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145]. ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة، وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد؛ {يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي} [طه: 86].

سار موسى بقومه في اتجاه بيت المقدس، وكانت محتلة من قبل قوم وصفهم الله تعالى بالجبارين، أي أصحاب قوة كبيرة في ذلك الزمان. أمر موسى قومه بدخوله، لتحريره والقيام بمهمة الإصلاح فيه وتعبيده لله تعالى {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21].

وها قد جاء امتحانهم الأخير، بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق، جاء دورهم ليقوموا بمهمة الإصلاح، ولكن رفض قوم موسى دخول الأراضي المقدسة، وحدثهم موسى عن نعمة الله عليهم، وكيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكًا يرثون مُلك فرعون {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20]. وكان رد قومه عليه كما جاء في قوله تعالى: {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [المائدة: 22].

ولعلنا هنا نشير مرة أخرى إلى نفسية قوم موسى الذين تربوا ونشئوا وسط هوان وذل، أهدرت فيهما إنسانيتهم والتوت فطرتهم.

وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم. تقول كتب القدماء: إنهم خرجوا في ستمائة ألف، لم يجد موسى من بينهم غير رجلين على استعداد لمهمة الإصلاح، وراح هذان الرجلان يحاولان إقناع القوم بدخول الأرض من أجل الإصلاح اعتمادًا على منهج الله تعالى. قالا: إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر {قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]. ولكن بني إسرائيل جميعًا كانوا يتدثرون بالسلبية {قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُواْ فِيهَا} [المائدة: 24].

فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، وملأت الدنيا قلوبهم، فلم يعد في استطاعتهم أن يكونوا إيجابيين، فما عاد بالإمكان أن تسيِّرهم إلا القوة. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوقحوا على نبي الله وعلى دينه عز وجل, وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]. هكذا بصراحة وبلا التواء.

أدرك موسى أن قومه ما عادوا يصلحون لشيء، مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس باقية يحتاج شفاؤها لفترة طويلة, “وهذا هو حال الشعوب التي عاشت في ظل القهر والدكتاتوريات، فلم يعد ممكنًا بعد زرع الذل في نفوسهم واعتيادهم عليه، لم يعد ممكنًا أن يُساقوا إلى الخير بسهولة. لقد اعتادوا أن تُسيِّرهم القوة القاهرة لسادتهم القدامى، ولا بد لسيدهم الجديد -وهو الإيمان- من أن يُقاسي الأهوال لتسييرهم”.

ملاحظة مهمة: إن من قواعد الحكم عند “الظاهرة الفرعونية الطاغية” هي إلغاء عقول الناس واختيارهم الحرّ والتحكم في أفكارهم، فإذا قال: الاشتراكية هي وحدها الحلّ، يجب أن يعتقد الجميع أن أي حال آخر مؤامرة وخيانة ورجعية، وإذا رأى أن النظام الليبرالي هو طوق النجاة فلا يجوز لأحد أن يرى غير ذلك ولو كانت معه ألف حجة علمية، بل لا يحقّ لأحد أن يختار عقيدة إلا التي يؤمن بها الطاغية، وعلى الشعب أن يكون على عقيدة هذا الطاغية وإن لم ينتمِ.

ألم ينكر فرعون على سحرته عندما آمنوا بموسى -عليه السلام- بقوله: {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [طه: 71]؟! حتى الإيمان الذي محله القلب يخضع لإذن فرعوني مسبق!

وفي جوّ الإرهاب الفكري تموت المواهب، ويأفل نجم الحرية، ويسود النفاق والتعصب القبلي والجاهلي، وينتشر الحسد والحقد بين الناس، ويؤتمن الخائن ويخوّن الأمين. وإذا ما أضفنا إلى ذلك الحروب التي لا تحكمها رؤية ولا هدف وما تستنزفه من طاقات بشرية واقتصادية هائلة، فإن النتيجة الحتمية تكون في انتشار الجوع والخوف والرشوة والفساد الأسري والأخلاقي والفكري والإداري والاقتصادي بل وعلى جميع المستويات. وكم عشنا هذا في عالمنا العربي وما زلنا نعيشه! على الرغم من أن الله تعالى لم يفرض دينه الحقّ على أحد، بل قال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وقال لرسوله r: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

لكن شتان بين منهج الله تعالى الذي يحمل علامات الصدق في قسماته وبين مناهج أرضية من وضع البشر!

إنها ليست مسألة متعلقة بفترة تاريخية معينة ولا بحيّز من الأرض ولا بقوم دون آخرين، إنما هي مجموعة من الخصائص تتجمع بالتراكم في شعب أو شعوب تنهار نفسيًّا فتفقد الثقة بذاتها، وتصبح السلبية -تجاه أمر الإصلاح- سمتها ولا تقوى على تفعيل طاقاتها البشرية والمادية فتخلد إلى إسلام أمرها إلى كل متسلِّط يفعل بها ما يشاء، بل وقد يصل بها الحال أنها لا ترضى بغير القوة لتحكمهم وتسيِّر أمورهم[6]، وهذا ما نراه اليوم وفي كثير من الأماكن، فترى لسان حال البعض يقول: نحن لا ينفع معنا –لكي يستقيم أمرنا كمجتمع- إلا حاكم قوي دكتاتور.. نحن لا تنفع معنا إلا القوَّة.

والبعض تجده يقول صراحة: نحن لا ينفع معنا إلا الفرعون ليحكمنا. وهذه المقولة -وللأسف الشديد- من أهم معوقات التغيير التي قد تواجه الأفراد والمجتمعات؛ إذ إن الحُكم الفرعوني الطويل الأمد -وكما ذكرنا سابقًا- يؤدي إلى الإدمان على السلبية. فإذا ما أذهب الله تعالى بقدرته هذا الفرعون، فإن المجتمع -ابتداء بالفرد- يكون أمام خيارين أساسيين:

إمَّا الإصلاح ابتداء من النفس، والقاعدة الربانية تقول: {إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد: 11]. وهذا يحتاج إلى جهد كبير قد لا تطيقه النفوس التي أدمنت السلبية؛ إذ إن أمر التغيير واكتساب عادات جديدة وترك المألوف صعب جدًّا على النفوس، وخصوصًا التغيير والإصلاح الذي يعتمد القرآن والسنة كمرجع أساسي.

أو الركون إلى السلبية، وذلك عن طريق الإسقاطات وإلقاء اللوم والمسئولية على الآخرين، والإيمان المطلق بنظرية المؤامرة. وفي هذه المرحلة فإن الشخص لا يرى أنه السبب في مشاكله ووضعه الحالي، هو يسقط كل معاناته على الظروف والأسباب الخارجية، وعلى المؤامرات التي أحيكت ضده، وعلى الحاكم القوي الدكتاتور الذي ذهب وتركه فريسة لكل من هبّ ودبّ، أو على الحاكم القوي المخلِّص الذي لم يأتِ بعد!

الحكم بالتيه..

عاد موسى إلى ربه يُحدثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه، دعا موسى أن يفرق الله بينه وبينهم {قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 25]. وبهذه النفسية أصدر الله تعالى حكمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته واستسلم للسلبية والقعود. كان الحكم هو التيه أربعين عامًا، قال تعالى عز وجل: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26].

حَكَمَ الله عليهم بالتيه، وكان الحُكم يحدد أربعين عامًا كاملة، وهنا نسأل: لماذا حدد الله الرقم أربعين؟ حتى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة، ويولد بدلاً منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أحد من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يُصلح وأن ينتصر.

نحن نخشى أن يكون فينا شباب مثل هذا الجيل -الذي حُكِم عليه بالتيه- المذكور في القرآن!

وقد مكث بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، حتى فني جيل بأكمله، فني الجيل الخائر المهزوم من الداخل، وولد في ضياع الشتات وقسوة التيه جيل جديد.. جيل لم يتربَّ وسط مناخ يتصف بالبعد عن الله تعالى والسلبية في مجال الإصلاح والدعوة، ولم يشل روحه انعدام الحرية.. جيل لم ينهزم من الداخل، جيل لم يعد يستطيع الأبناء فيه أن يفهموا لماذا يطوف الآباء هكذا بغير هدف في تيه لا يبدو له أول ولا تستبين له نهاية إلا خشية من لقاء العدو.

جيل صار مستعدًّا لدفع ثمن آدميته وكرامته من دمائه، جيل لا يقول لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24].

جيل آخر، جيل ليست الدنيا هي كل حياته والدنيا هي التي تسيره، جيل لا يسعى وراء الشهوات والمحرمات ومصالحه الشخصية، بل جيل من الشباب قضيته الأولى هي نصرة الله تعالى ونصرة دينه الإسلام، جيل مساجد وصلاة وقرآن، جيل يَصلُح لأن يفتحَ بلاده ليقود عملية الإصلاح، ويقود الأمة الإسلامية من جديد.

أخيرًا، وُلد هذا الجيل وسط تيه الأربعين عامًا.

ولقد قُدِّر لموسى -زيادة في معاناته ورفعًا لدرجته عند الله تعالى- ألا تكتحل عيناه بمرأى هذا الجيل؛ فقد مات موسى -عليه السلام- قبل أن يدخل بنو إسرائيل الأرض التي كتب الله عليهم دخولها، ومات سيدنا هارون أيضًا، وقال رسول الله r حين كان قومه يؤذونه في الله: “قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر”. وفي هذا دلالة على أنّ المسلم الجاد أن يبذل ما في وسعه لبناء نفسه وتربيتها والأخذ بجميع الأسباب للإصلاح والمشاركة في نهضة الأمة وبناء جيل النصر والتمكين، وليس عليه إدراك النتائج؛ ذلك لأن النجاح والنتائج بيد الله تعالى.

 لحظة التمكين..

وهنا ظهر يوشع بن نون {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ} [الكهف: 60]. كان يوشع فتى تربى على يد سيدنا موسى وكان يحضر دروس العلم على يده وكان طالب علم متميزًا، فأصبح اليوم يصلح أن يقود بني إسرائيل لتحرير القدس. وخرج يوشع مع بني إسرائيل وحاصروا فلسطين وحاصروا مدينة القدس، حاصروها 6 أشهر، قال النبي r: “إن آخر يوم في المعركة كان يوم جمعة”.

لأن السبت بالنسبة لبني إسرائيل مُحَرَّم، فكان مُحَرَّم عليهم العمل فيه أو القتال، اليوم سينتهي مع غروب الشمس، وكان يوشع ينظر إلى الشمس وهي تبدأ بالغروب، لو أنها غربت ستتوقف المعركة وسيحصنون أنفسهم ويضيع كل النصر الذي تحقق. يقول النبي r: “فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا”، ويقول النبي: “فحُبست حتى فتح الله عليه”، قال الرسول r: “إن الشمس لم تحبس إلا ليوشع بن نون ليالي سارَ إلى بيت المقدس”[7].

وتحقق النصر، وبمجرد دخولهم القدس غربت الشمس، فسبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء! وسبحان الذي يقول للشيء: كن فيكون! ظلوا يعملون أربعين سنة من أجل أن يحرروا المسجد الأقصى ولا تأتي المعجزة إلا في آخر ثلث ساعة! وذلك النصر الذي لا يأتي إلا لجيل تربى على القرآن الكريم، جيل مؤمن مخلص لنصرة الله تعالى ونصرة دينه ونبيه، فتتحرر بلادنا ويتحرر المسجد الأقصى بإذن الله.

إياكم أن تيئسوا والله سيعز دينه، ولا تستغربوا ورسولكم القائل حتى الحجر ينطق ويقول: “يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله”[8]. ألم يقل هذا رسول الله في حديث صحيح؟!

ما الفرق بين معجزة حبس الشمس ومعجزة نطق الحجر تلك المعجزة التي بانتظارنا؟! فقط علينا أن نأخذ بالأسباب، فقط علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع الله تعالى بالعمل على نصرة الله عز وجل ونصرة دينه الإسلام والمبادرة بعملية الإصلاح، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن…} و”إن” -كما هو معروف- أداة شرط جازمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

عبرة مهمة..

ومن خلال هذه القصة نرى بشكل واضح أن الحل كان في تربية جيل من الشباب، جيل رجال، جيل نافع مؤمن بالله واثق من نصر الله تعالى. ولن يكون هذا إلا عن طريق التعاون معًا، آباء وأمهات وأولياء أمور وأسر وأصدقاء وزملاء وأخوة ومعلمين وتربويين وطلاب وأدباء وكتاب وشعراء وإعلاميين ورياضيين وعلماء وأطباء ومهندسين ومحامين وموظفين وعمالاً وفلاحين ومهنيين وغيرهم؛ لننتج جيلاً مُعَدًّا إعدادًا مميزًا للخدمة والمساهمة والبناء، وأقل تشبثًا بأخطائه وأقل أنانية.. جيلاً أكثر انفتاحًا وأكثر ثقة وأكثر عطاء وحبًّا وتلاحمًا، جيلاً له رؤية نحو صناعة النجاح. قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف: 111].

المستقبل للإسلام

قال الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة والسلام: “ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عزًّا يعز الله به الإسلام، وذلاًّ يذل الله به الكفر”[9].

وقال r: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون فيكم ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكًا عاضًّا فيظل فيكم ما شاء الله له أن يكون، ثم يرفعه إذا شاء أن يرفعه، ثم يكون ملكًا جبريًّا، فيكون فيكم ما شاء الله له أن يكون ثم يرفعه إذا شاء أن يرفعه، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”[10].

وملكًا عاضًّا: هو كناية عن شدة الاستمساك بأمر ما، وهو أمر أشبه بالملك الوراثي كما كان عليه الحال في القرون السابقة. وملكًا جبريًّا: أي من الإجبار (القهر والإكراه)، وهو الذي يقوم على التجبر والطغيان، وهو أمر أشبه بالأنظمة الدكتاتورية التي تحكم بالنار والحديد، كما هو الحال في عصرنا هذا.

وها نحن نرى اليوم بأعيننا -لنعلم علم اليقين- صدق هذا الحديث الشريف من خلال السقوط المتتالي لهذه الأنظمة الدكتاتورية كما حدث في تونس ومصر، وما زلنا ننتظر -انتظار الموقن بنصر الله تعالى- سقوط البقية المتبقية {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

قال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10]. فهنيئًا لمن كتبه الله تعالى من الدعاة الإيجابيين السابقين، المساهمين بنهضة الأمة وعزة الإسلام.

روابط ذات صلة:
– مغزى الحياة
– القلة المؤمنة
– استعجال النصر
– مراحل التغيير الإيجابي
– فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم


[1] انظر: مقال سيكولوجية الاستبداد، د. محمد المهدي.
[2] الدكتور يوسف القرضاوي، فتاوى معاصرة (الجزء الثاني).
[3] التفسير الميسر.
[4] انظر: مقال “الفرعونية.. صفاتها ونهايتها”، عبد العزيز كحيل.
[5] انظر: مقال سيكولوجية الاستبداد، د. محمد المهدي.
[6] انظر: مقال “الفرعونية.. صفاتها ونهايتها”، عبد العزيز كحيل.
[7] أخرجه البخاري.
[8] أخرجه مسلم.
[9] رواه تميم الداري، وصححه الألباني.
[10] رواه أحمد.

No HTML was returned.