إستعادة مجد الأمة

كيف تستعيد الأمة الإسلامية مكانتها – الشيخ عمر سليمان الأشقر

أمتنا الإسلامية هي خير أمةٍ أخرجت للناس بنص القرآن الكريم، وهذه الخيرية إنما جاءت؛ لأنها طبّقت أوامر الله تبارك وتعالى في شئون حياتها، لكن الأمة في العصور المتأخرة تدهورت بسبب ابتعادها عن منهج الله تبارك وتعالى، فإذا أرادت أن تعود لها هذه العزة والمكانة التي كانت لأسلافها، فيجب عليها أن تعود إلى المنهج الذي رسمه لها ربُّها تبارك وتعالى، فعند ذلك يُغيِّر الله حالها.

مكانة أمة الإسلام

الحمد لله قيوم السماوات والأرض، بيده مقاليد الحكم، له الأمر كله والخلق كله، يصرف الأمور ويقدرها وفق علمه وحكمته، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير إنه على كل شيء قدير.

قوله القول، وحكمه الحكم، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا معدل لأمره.

وأصلي وأسلم على عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، خيرته من خلقه، وخاتم أنبيائه ورسله، أقام الله به الشريعة الغراء، وأنار به القلوب العمياء، ومحا به دولة الباطل، وطمس به معالم الشرك، وأصلي وأسلم على آله وصحبه الذين جعلوه لهم قدوة وأسوة، واتبعوا النور الذي جاء به، فكانوا على المحجة البيضاء، يقرون بالحق ويدعون إليه، ويجاهدون في سبيل إعلائه حتى ظهر أمر الله، وأصبح الدين كله لله، وعلى التابعين ومن اتبع سبيلهم إلى يوم الدين.

إخواني! لن أفيض في هذا الموضوع الذي سأتحدث إليكم فيه عن واقع الأمة الذي تعيشونه وتشاهدونه؛ لأن الواقع الذي نعيشه كلكم يراه، فمنذ أن كنا في زمن الطفولة والصبا فتحنا أعيننا وجنود الإنجليز تدك ديارنا، واليهود يتوافدون على بلادنا، وما كدنا نبلغ السابعة أو الثامنة من عمرنا حتى سقط جزء من فلسطين، وكنا نرى في صبانا جيوش الإنجليز وهي تطارد آباءنا وإخواننا، وتعتدي على حرماتنا وأهلنا ونسائنا، وسقط جزء من فلسطين ونحن لم نبلغ زمن الشباب بعد، ولكن الجزء الباقي من فلسطين سقط ونحن ندرك أبعاد القضية، وقبل ذلك احتلت ديار المسلمين من قبل الصليبيين في هذا العصر، فاحتلت مصر وسوريا ولبنان والجزائر وتونس، بل احتلت كل ديار الإسلام إلا القليل، ففي زماننا انقسمت دولة إسلامية كبرى إلى شطرين هي الباكستان، وبنغلادش، وفي زماننا ينقل لنا التلفاز في كل يوم مآسي من بلاد المسلمين في الهند وأرتيريا وفي الفلبين، وفي زماننا اخترقت جيوش اليهود لبنان ووصلت إلى عاصمته بيروت، ودمرت أحياء بأكملها، وتنقل لنا أخبار الدنيا بالصوت والصورة الجندي اليهودي وهو يجرجر امرأة مسلمة، في حين لو حدث هذا في يوم من الأيام في عهد العز لقامت الدنيا وما قعدت، فلا أريد أن أفيض في هذا؛ لأن هذا أمر تشاهدونه وتعلمونه، ومن الخطأ الإفاضة فيه.

فقد كان لهذه الأمة مكانة عالية راقية، ثم ضاعت هذه المكانة، والمسلمون اليوم يبحثون من جديد ليستعيدوا العزة المفقودة، ويستعيدوا المكانة التي كانت تعيشها الأمة في ماضيها، أما مكانة هذه الأمة فقد نص الله تبارك وتعالى عليها في قوله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، والوسط هو مركز الاتزان والاعتدال، يقول بعض المفسرين: الوسط: عدل بين الأطراف، ليس إلى بعضها أقرب من بعض، وقد تعارف الناس على ذم الذي يمسك أحد الطرفين ولا يلزم موضع الاعتدال، فتراهم يقولون: فلان متطرف في أمره، في مقام الذم، وفلان معتدل في مقام المدح، ومع ذلك فإن أكثر البشر في عقائدهم وأفكارهم وأعمالهم يتطرفون ولا يلزمون مركز الاعتدال، فكانت هذه الأمة وسطاً في كل شيء، ودائماً تجد الخير والفضل في الوسط، وفي مصطلح العرب ومصطلح القرآن أن الوسط هو الأفضل والأحسن لأمرين:

الأمر الأول: أن الأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد، فدائماً الفساد يبدأ من الطرف ولا يبدأ من الوسط، كما قال الشاعر الجاهلي:

كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفاً

فهو يصف الشيء الذي يتحدث عنه بأنه كان وسطاً لا يصل إليه الفساد، ثم دب إليها الفساد حتى أصبحت طرفاً من الأطراف.

والأمر الثاني: ما أشرت إليه من أن الوسط مركز الاعتدال والاتزان فقريش أوسط العرب نسباً، والرسول صلى الله عليه وسلم وسط في قومه، وفي محكم التنزيل: قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ [القلم:28]، أي: قال خيرهم، وقال تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة:238]، وقد ثبت في الحديث أنها صلاة العصر، فهي خير الصلوات؛ لأنه سبحانه خصها بمزيد من الحث على أدائها.

وقد صرح الله بهذه الأفضلية في آية أخرى بوضوح فقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] وقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110]، وقوله: هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78].

إذاً: فبشهادة الله تبارك وتعالى تكون هذه الأمة خير الأمم وأفضلها على الإطلاق؛ لأنها وسط، والوسط هو الأفضل، فالوسط عند الله يُجَتَبى ويُختار.

سبب تفضيل الله تعالى هذه الأمة على غيرها

فضَّل الله تبارك وتعالى هذه الأمة على غيرها من الأمم؛ لأن الأمة الإسلامية استقامت على منهج الله، فالإسلام هو الذي صنع هذه الأمة، فقد بنى عقيدتها، ورسم منهجها وطريقها، وأقام أخلاقها وقيمها، وتأمل في قوله تعالى:

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا

تجد أن كلمة

جَعَلْنَاكُمْ

ليس معناها: خلقناكم، وإنما المعنى الصحيح: صيرناكم أمة وسطاً، وإنما صيرها الله كذلك بدينه المنزل عندما استقامت على الخصائص التي رسمها لها رب العالمين، وتستطيع أن تلحظ هذا المعنى في قوله تعالى:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ

فهَهنا مُخْرِج وهو الله، ومُخْرَج وهي الأمة، وأداة حصل بها هذا الإخراج وهي الإسلام.

فبالاستقامة على الإسلام تحققت الأفضلية.

إذاً: فليست الأفضلية والخيرية لقباً أطلق على هذه الأمة من غير مضمون، ولكنه عنوان لحقيقة تجسدت في هذه الأمة، فقد سما هذا الدين بهذه الأمة في عقيدتها، وتفكيرها، وتوجهات قلوبها وأقوالها وأعمالها، ونظمها حتى مثلت الأنموذج الفاضل الذي يريده الله تبارك وتعالى للبشرية، وهذه الأفضلية مرهونة باستمرار هذه الأمة على الخصائص التي حددها الإسلام، فإذا تدنت هذه الخصائص أو انحرفت أو زالت فإن الخيرية تتناقص وتضمر وتضعف، وهذا هو السر في تخلف هذه الأمة في عصرنا.

إن أفضلية هذه الأمة تتلخص بأخذها بهذا الدين في نفسها، ودعوة الناس إلى الحق الذي قرره هذا الدين، ونهيهم عن الباطل الذي نهاهم عنه هذا الدين، مع تحقيق الإيمان وفق ما جاء به الإسلام، قال تعالى: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

سبب إخبار الله تعالى بمكانة هذه الأمة وفضلها

وقد أخبرنا الله تعالى أننا خير أمة أخرجت للناس لا لنتفاخر ونتمادح به، ونقف في المجامع والمحافل فنقول: إننا خير أمة أخرجت للناس؛ لأن الحياة الإنسانية مجال صراع رهيب بين الأمم، فكل أمة مهما كانت منزلتها ولو كانت في القاع تقول: أنا الأفضل وأنا الأحسن، فأخبر الله بمكانة هذه الأمة حتى لا تذل في مجال الصراع والخصام؛ لأن هذه الأمة صاحبة رسالة، وستصارع اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين والبوذيين، فحتى لا تهون في مجال الخصام والصراع أخبرها الله تبارك وتعالى بمكانتها، فقال عز وجل:

وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

[آل عمران:139].

ولقد ادعى كل من اليهود والنصارى أنهم الأفضل والأكمل وأن غيرهم ليس على شيء كما قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ [البقرة:113]، والذين لا يعلمون: هم العرب الوثنيون، فقد قالوا: إن اليهود ليسوا على شيء، والنصارى ليسوا على شيء، ثم غلا اليهود والنصارى في دعواهم، فادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه كما قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة:18]، ثم ادعوا أن الجنة وقفٌ عليهم: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]، فركب كل فريق هذه الدعوى مطالباً غيره باتباع منهجه؛ لأنه هو الأفضل والأحسن، والجنة وقف عليه، وهو ابن الله؛ فالذي ينبغي للبشرية أن تتابعه وألَّا تقاتله، بل ينبغي أن تحترمه وتقدره، فقد جاء عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [البقرة:135]، أي: أنهم يطالبون غيرهم بأن يصبحوا يهوداً أو نصارى، فرد الله عليهم بقوله: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [البقرة:135].

وكذلك هو حال الأمم التي ليس لها دين، فهي تدعي نفس الدعوى، فهذا هتلر رفع راية ألمانيا فوق الجميع، والشعب الأمريكي الآن يظن نفسه من طينة غير طينة البشر، فعندما يكلمك يكلمك وهو مصعر خده مستكبراً يظن أنك من جنسٍ غير جنسه، وهو من فئة غير فئة البشر.

وقد كان اليهود في ميزان الله تبارك وتعالى خير الأمم عندما استقاموا على الشريعة التي أنزلها الله تبارك وتعالى عليهم، قال تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:47]، قبل أن يقول فيهم: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32]، والنصارى كانوا أصحاب رسالة، ولهم في ميزان الله فضل عندما استقاموا على الدين الذي أنزله الله إليهم، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ [الصف:14]، ولكن اليهود والنصارى انحرفوا عن المسار وتنكبوا الجادة، فأصبح اليهود مغضوباً عليهم والنصارى ضالين، وهم في ميزان الله من الخاسرين، فلقد غيروا وبدلوا فلعنهم الله، وغضب عليهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وهم لا يمثلون اليوم الفئة الفاضلة في ميزان الحق، وقد جاءت هذه الأمة من بعدهم لتكون هي الأمة الفاضلة، وإذا أنت رجعت إلى سورة البقرة وإلى ما حدثنا الحق فيها عن أهل الكتاب فسترى أن القرآن كشف لنا عن الدعوة المضللة التي يدعيها أهل الكتاب، من أنهم الأفضل والأصلح، وبين أنها دعوى زائفة، ذلك أن أهل الكتاب انحرفوا عن الخصائص التي كانت ترفعهم إلى مصاف الأمة الفاضلة، فقد سرت فيهم العلل والأدواء التي شوهت العقيدة الصافية والشريعة المنزلة، واختلت عندهم القيم والتصورات الإيمانية كما اختل السلوك والقول والعمل، فمن اتهاماتٍ للخالق العظيم، إلى تشويه لسير الأنبياء، إلى تحريف للكتب المنزلة، إلى كتمان للعلم، إلى سفك للدماء وتمرد على أحكام الشريعة، واتباع للشيطان.

وبعد هذا البيان الطويل لحال الأمم التي تدعي الأفضلية في سورة البقرة يأتي قوله تبارك وتعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143] أي: انتهت خيرية اليهود والنصارى، وأنتم يا أمة الإسلام الآن في المستوى الذي يصفه الله تبارك وتعالى بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ [آل عمران:110] أي: أنتم الأمة الفاضلة.

ولذلك يأتي بعد قليل قوله تبارك وتعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [البقرة:142] السفهاء هم اليهود والنصارى الذين اعترضوا على تحويل القبلة، فوصفهم الله تبارك وتعالى بالسفهاء، والسفه خفة في العقل، واضطراب في الموازين، فالسفيه لا يكون فاضلاً ولا يكون خيراً؛ لأنه فقد الخيرية والصلاح.

أما الأمم الأخرى التي تدعي الأفضلية، والتي ليس لها دين غير اليهود والنصارى ففضلها دنيوي عارض، ليس له في ميزان الله اعتبار؛ لأنه قائم على متاع الحياة الدنيا، قال تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] وقال سبحانه: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7].

فلقد وصف القرآن الحضارات التي ارتفعت في العلوم المادية ولكنها انحدرت في عقيدتها وأخلاقها وقيمها بالضلال والزيغ؛ لأن المجتمع الذي يوصف بالرقي في ميزان الله هو المجتمع الذي يقيم حياته وفق منهج الله، وإن كان غير متقدم في مجال العمران والزراعة والصناعة.

أما الجاهلية فإنها تعتبر المجتمع راقياً إذا كان يملك العلوم المادية، والمجتمع المتأخر في عرفها هو المجتمع الفقير الذي لا يملك أسباب الرقي المادي والذي تنتشر فيه الأمية، ونحن عندما ندرس المجتمع المثالي الإسلامي نجده مجتمعاً فقيراً، لا يكاد يجد الفرد فيه ما يسد به رمقه، ولا ما يواري به جسده، فقد كانت بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر عليها الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة في شهرين ولا يوقد فيها نار لإنضاج طعام، ونجد الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة في المجتمع الأول الفاضل قليلين، وكذلك الذين يحسنون الصناعة أيضاً.

إذاً: فالمجتمع الصالح المتحضر هو هذا المجتمع الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن نظرة الإسلام إلى المجتمع الراقي تصادم نظرة الجاهلية، فالإسلام يسم أكثر التجمعات الإنسانية تقدماً بالتأخر والرجعية والضلال إذا لم تحقق العبودية لله، وإذا لم تقم حياتها وفق تشريعاته ومنهجه، إن هذا الرقي المادي والعلم المادي لم يخلِّص فرعون ونمرود وعاداً وثمود وغيرهم من الأمم من مقت الله وغضبه، وليس معنى هذا أن الإسلام يحارب الرقي المادي، فالإسلام يأمرنا أن نسعى في الأرض لنسخر ما فيها من خيرات لصالحنا، قال سبحانه: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ [الملك:15]، لكن الإسلام يريد أن نبني هذا الرقي على أصول سليمة قويمة، ويريدنا أن نقوِّم علوم الحياة ونضبطها بضوابط إلهية تحميها من الانحراف والضلال، يريدنا أن نقيم الصروح والأبنية وفق تشريع الله تبارك وتعالى، عندما يكون الهدف الكبير من بناء ضخم كالأهرام، أو بناء ضخم مثل (تاج محل) أو تلك الأديرة والكنائس التي تراها في إيطاليا وفي العالم الغربي التي بنيت لهدف تافه، أن يكون هذا البناء الذي كلف أعماراً ومئات وألوفاً وعشرات الألوف من البشر ليكون قبراً لإنسان، أي حضارة مثل هذه؟! وأي رقي هذا؟!

نحن لا نوافق الأمم التي تدعي أنها الأفضل والأحسن؛ لأنها تملك العمارات الشاهقة، والحدائق الغناء، والمسارح الرحبة، والقصور الفخمة، والشوارع المنسقة، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات، لا نوافقها على أنها الأفضل من أجل ذلك وحده؛ ولا لأنها توصلت إلى علوم هائلة بنت بها الرقي المادي، فلو كان هذا صحيحاً لكان اللص صاحب القصر الكبير أفضل من الشريف صاحب الكوخ الصغير، والعالم الذي يخطط لتدمير البشرية أفضل من الإنسان العادي الذي يسعى في إصلاح العباد.

لقد أقامت كثير من الأمم حضارات راقية في المجال المادي، ولكنها أقامتها على أسس ظالمة، فأتى الله بنيانهم من القواعد ودمر ما كانوا يعرشون، قال عز وجل: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45] وقال عز وجل: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48] وقال سبحانه: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ [الأنبياء:11-15]، من أجل ذلك عرفنا الله تبارك وتعالى بمكانتنا وأننا خير الأمم، سواء الأمم التي لها دين، ولكنه دين محرف مغير مبدل، أو الأمم التي تدعي أنها الأفضل؛ لأنها تملك علماً؛ لأنها تملك قصراً؛ لأنها تملك مصنعاً؛ لأن عندها حدائق وبساتين. فنحن في ميزان الله إذا ما استقمنا على الخصائص التي أخبرنا الله تبارك وتعالى بها خير الأمم وأفضلها على الإطلاق.

عوامل رقي ورفعة أمة الإسلام

ولقد حقق المسلمون بفضل الله ورحمته في عالم البشر الرقي العظيم، والذي أصبحوا به خير أمة أخرجت للناس، ويمكن أن نلخص العوامل التي أوصلت الأمة الإسلامية إلى هذا الرقي العظيم في عبارة واحدة: هي أن المسلمين حققوا الهدف الذي خلقوا من أجله، فقد خلق الله البشر من أجل هدف واحد وهو العبودية له سبحانه، والمسلمون الذين رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم حققوا الهدف الذي خلقوا من أجله، ألا وهو العبودية لله العظيم، قال عز وجل:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

[الذاريات:56]، ومن أجل تحقيق هذا الهدف العظيم أنزل الله كتبه وأرسل رسله، قال تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ

[الأنبياء:25]، ويحقق البشر العبودية لله في عالمهم عندما يرضون بالله إلهاً معبوداً، ويتخذون دينه الذي أنزله منهجاً يستمدون منه عقيدتهم وأخلاقهم وتشريعهم، فالدين الذي أنزله الله يقيم العباد على النحو الذي يريده الله تبارك وتعالى، وهو نظام كامل يصوغ حياة البشر صياغة إلهية، لذا فإن العبارة التي تقول: إن الإسلام منهج حياة، تلخص القضية بأوجز عبارة وأوضحها: تحقيق العبودية باتخاذ الإسلام منهج حياة يحقق الصلاح للنوع الإنساني في داخل نفسه وفي مجتمعه، ولذلك لم يبعد الذين قالوا: إن غاية الدين الذي أنزله الحق هي إصلاح النوع الإنساني وقطع دابر الفساد، كما قال بعض الرسل لقومه:

إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ

[هود:88]، وذم الله المفسدين في الأرض بقوله:

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ

[البقرة:205].

إن الإصلاح حسب فقهنا لكتاب الله تبارك وتعالى يتم بأمرين: الأول: إصلاح الفرد، والثاني: إصلاح المجتمع، وبالتأمل في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجد أنه جاهد في مكة لإصلاح الفرد في عقيدته وتفكيره وتصوراته وسلوكه؛ ليكون لبنة صالحة، ثم كان الجهاد الكبير في المدينة لتحقيق المجتمع الراقي الذي انضبط بضوابط الشريعة الإسلامية، وقد نجح الإسلام في إقامة مجتمع صالح استنارت بصائر أفراده وصلحت عقائدهم، وقومت أخلاقهم، وأحكمت العلاقات فيما بينهم، وكانت الدينونة فيه لله وحده، وكان حاكم المسلمين فيه واحداً منهم، يخضع للشريعة كما يخضعون، ويحاسب كما يحاسبون، ونسج الإسلام من ذلك المجتمع وحدة كانت آصرتها الدين، ولحمتها التقى، وهدفها تحقيق العدل في ربوع الأرض بمنهج إلهي، وساح المسلمون في المشارق والمغارب ينشرون دين الله، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وتحطمت القوى الجاهلية الجبارة أمام المد الإسلامي المتماسك، وأصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة العظمى إلى أمد ليس بالقصير، وصدَّق الله في هذه الأمة قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد:11]، فلقد كان العرب في جزيرة العرب حيارى تائهين ضائعين، يسلب قويهم ضعيفهم، ويقتل بعضهم بعضاً، فلا دين يجمعهم، ولا ملك يوحدهم، فغيروا ما بهم من أمراض وأصلحوا نفوسهم وأمتهم بالدين، فارتقوا إلى مرتبة لم يسبقهم فيها سابق، ولم يلحقهم فيها لاحق، وكانوا كما قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

فأنجز الله لهم ما وعدهم، فاستخلفهم في الأرض ومكن لهم دينهم الذي هو سبب عزهم وذكرهم عندما أنجزوا ما شرطه الله عليهم، قال عز وجل: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55]، ولا نزال إلى اليوم ننعم ببقية صلاح الأجيال الأولى التي حملت الإسلام، فعلى الرغم من البلايا والرزايا التي تعرض لها الإسلام من أعدائه وحكامه عبر تاريخ المسلمين الطويل إلا أن الإسلام لا يزال له وجود ظاهر، وحملته من المسلمين منتشرون في كل مكان.

عوامل تدهور مكانة أمة الإسلام

فالأمة الإسلامية عندما التزمت بتشريع الله تبارك وتعالى أعزها الله ورفعها، إلى أن تغير المسار، وجاءت عصور الانحطاط، والذي يمعن النظر في واقع هذه الأمة اليوم يطول عجبه ويكثر تفكره، فالمتفكر في حال الأمة الإسلامية عندما يقارن بين حاضرها المشهود وماضيها الغابر يهوله الأمر، فالبون شاسع والفرق بعيد، وعندما يرجع الباحث مرة أخرى مقارناً بين الواقع المشهود والواقع الذي رسمه القرآن لهذه الأمة، فإنه يجدها لا تتبوأ المقعد الذي حدده القرآن لها، والدارس لخط سير تاريخ الأمة الإسلامية يجد أن استمرار الأمة الإسلامية على خصائصها التي جعلها الله لها من كونها خير أمة لم يستمر على وتيرة واحدة؛ فالخط البياني كان ولا يزال متذبذباً بين هبوط وصعود، وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا التذبذب في خط سير الأمة الإسلامية في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان أنه قال: (يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قال: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه، قال: قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي، تعرف منهم وتنكر، قلت: يا رسول الله! فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله! صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك، قال: فالزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام، قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك).

فالأمة الإسلامية -كما يشير الحديث- يصيبها الشر فتضعف وتهزل، ثم تعود إلى أصالتها، وقد تكون العودة عودة مشوبة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (وفيه دخن)، وقد يكون الانحراف هائلاً، وذلك عندما يتسلط على رقاب هذه الأمة دعاة على أبواب جهنم يدعون الناس إلى مذاهب كافرة، فمن استجاب لهم كان مصيره النار وبئس القرار، ولقد ألمحنا من قبل إلى أن الرقي العظيم الذي رفع هذه الأمة هو أخذها بالدين الذي أنزله الله تبارك وتعالى، ثم التفافها حول هذا الدين، فأصبحت أمة واحدة فتشكل من هذه الأمة قوة هائلة لا تغلب، ويمكن أن نعيد تأخر المسلمين وانحطاطهم إلى قضية واحدة: وهي الفرقة التي مزقت وحدتها، فجعلتها أمماً وشيعاً وطوائف وتجمعات، فالسمة العظيمة التي تعطي الأمة الإسلامية مكانة قوية هائلة هي اجتماعها على أساس من دينها، وهذه حقيقة طالما كررها القرآن الكريم، ونبه إليها وأمر بها، فقد أمرنا القرآن بالوحدة ونهانا عن الاختلاف والتفرق، فقال سبحانه: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103]، ثم ذكرنا بالحال التي كنا عليها قبل الإسلام: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [آل عمران:103]، ونهانا عن التفرق والاختلاف: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].

وقد أخبرنا جل وعلا أن التنازع والاختلاف يسبب الفشل وذهاب القوة، بينما تجعل الوحدة الأمة قوية متماسكة في وجه الرياح والأعاصير، وعندما توجه هذه القوة مجتمعة نحو أعدائها فإنها تفتت بأسهم وتقضي على كيدهم، ولذلك لا يمكن أن تهزم الأمة إذا كانت مجتمعة، فسنة الله تبارك وتعالى أن هذه الأمة إذا ما اجتمعت فلا يمكن أن تهزم ولو وقفت الدنيا بأسرها في وجهها، وهذا ما يقوله الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض -ملك كسرى وقيصر-، وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة) يعني: لا يكون بلاء عام يستأصل المسلمين، وإنما قد يصيب بعض الأمة، لكنه لا يصيب الأمة بكاملها، مثل ما أصاب قوم نوح والأمم من قبلنا، حين استأصل الأمة بكاملها، فهذا لا يحدث لهذه الأمة ثم قال: (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها) يعني: ولو اجتمعت الدنيا كلها في مواجهة المسلمين فلن يقدروا أن يتغلبوا على المسلمين، (حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً) يعني: إذا تفرقوا واختلفوا وسفك بعضهم دم بعض، وأسر بعضهم بعضاً، ودمر بعضهم بعضاً، فعند ذلك تصير قوتهم وبأسهم فيما بينهم، وعند ذلك يرفع الله تبارك وتعالى نصره عنهم.

ولقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن ملك المسلمين سيصبح عظيماً، وأنه سيمتد على رقعة واسعة في جنبات الأرض، وأن هذه الأمة ستحطم الدولتين العظيمتين في ذلك الوقت: الفرس والروم، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله وعده ألا يصيب هذه الأمة بهلاك عام، وألا يسلط عليها أعداءها فيأخذون ملكها ويعلون عليها ويقهرونها، ولو اجتمعت كل قوى الشر ضدهم.

أنواع الفرقة وأسبابها

وينبغي أن ندرك أن الفرقة ليست نوعاً واحداً، وأن الفرقة ليس لها سبب واحد.

الفرقة في الدين أسبابه وخطره

فإن أخطر أنواع الفرقة: هي الفرقة في الدين، وليس مرادي بالفرقة أن تفترق الأمة وتتقاتل وهي على عقيدة واحدة، فقد تقاتل الصحابة وهم على عقيدة واحدة ودين واحد، لكن الأخطر من ذلك أن تفترق الأمة في دينها، قال الله:

إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ

[آل عمران:19]، ومن المعلوم أن اجتماع المسلمين على أساس الإسلام وعلى أساس عقيدة الإسلام هو أعظم أنواع الوحدة، لكن عندما يصبحون أدياناً وفرقاً يكون الخلاف كبيراً، يقول الله تبارك وتعالى:

وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ

[المؤمنون:52]، ثم يقول بعد ذلك:

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ

[المؤمنون:53]، فأمة واحدة تعبد إلهاً واحداً تمثل تجمعاً واحداً، وماذا حدث للأمم من قبل؟ لقد تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، وكيف تقطعوا؟ بأن أصبحت هناك مذاهب وعقائد وملل في الدين الواحد، وفي موضع آخر يقول الله:

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ

[الأنبياء:92-93]، فاختلاف العقائد والمذاهب في الأمة يحدث -جزماً- خلافاً بين المسلمين في واقع الأمر، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة سيصيبها ما أصاب الأمم من قبلها، فعن معاوية بن أبي سفيان في الحديث الصحيح الذي يرويه أبو داود والإمام أحمد في مسنده قال: (قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة)، زاد في رواية: (وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)، وفي سنن أبي داود وسنن الترمذي وقال الترمذي حديث حسن صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة)، وإذا شئت أن تطلع على هذه الفرق فارجع إلى كتب الملل والنحل وكتب الفرق، فقد افترقت الأمة إلى خوارج، وإلى معتزلة، وإلى شيعة، وإلى قدرية، وإلى أشعرية وكلابية وماتريدية، وفرق كثيرة.

ومن أسباب الافتراق في الدين: أن تجمعات من الأمة تبنت مناهج مخالفة للشرع، وأنا قلت من قبل: إن الإسلام منهج، والمطلوب من المسلمين أن يكتشفوا هذا المنهج، لا أن يضعوا مناهج من عند أنفسهم، وهذه قضية خطرة، وأنا أجزم أن كثيراً من المثقفين في هذه الأمة يفتخرون ويقولون: نحن عندنا منهج وأنتم ليس عندكم منهج، نقول: هناك منهج واحد هو منهج الإسلام، منهج ليوم الإنسان، ولشهر الإنسان، ولسنة الإنسان، ولعمر الإنسان، وللأمة الإسلامية بأكملها، فقط نحن مهمتنا أن نكتشف هذا المنهج، فلدينا منهج في العقيدة، ومنهج في التفكير، ومنهج في التصور، ومنهج في السلوك.

الناس مغرمون من قديم الزمان بوضع المناهج، فمن المناهج الخطيرة التي أثرت في تفكير الأمة: المنهج الفلسفي الكلامي في العقيدة والإيمان، وأنا لا أريد أن أفصل في هذا، لكن هذا المنهج زاحم المنهج القرآني الإيماني النبوي في القلوب والنفوس، وفي التفكير، وفي تقرير العقائد.

وهناك المنهج الصوفي الذي يغرق في التعبد، ويستحدث أنماطاً من العبادات لم يشرعها الله تبارك وتعالى، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا المنهج بقوله: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن أقواماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم) فبعض الذين ينتسبون إلى الإسلام من العلماء يرفضون الاحتجاج بأصول الشريعة بالكتاب والسنة، ويزعم هؤلاء أن نصوص الكتاب والسنة هي ظواهر وعمومات لا تفيد اليقين، والذي يفيد اليقين عندهم هي الأدلة العقلية فقط، حتى إن بعض الفرق رفضت الاحتجاج بالسنة أصلاً كالمعتزلة، وقالوا: السنة عبارة عن ظن ليس فيها يقين، ولذلك لا يحتجون إلا بالمتواتر، والأحاديث المتواترة التي وصلت إلينا أحاديث قلة، هذا الاختلاف العقائدي القديم أنشأ مذاهب عقائدية جديدة، وأنشأ أهواء بين المسلمين في هذا العصر، فقامت في ديار المسلمين في هذه الأيام دعوات تنادي بالوطنية: أنا أردني، وأنا فلسطيني، وأنا مصري، وأنا كويتي، وأنا وأنا، وأصبحت هذه النعرات الوطنية القومية تُغذَّّّّّّّى، فبدلاً من أن نقول: نحن مسلمون، وننادي بالإسلام وعزة الإسلام، ورابطة وأخوة الإسلام، أصبحت الآن هذه النعرات تغذى في بلاد المسلمين، بل أصبح هناك تجمعات في ديار المسلمين على مذاهب كافرة، كالشيوعية، والعلمانية، والبعثية، وأخذ الضالون ينادون بالرجوع والاعتزاز بالحضارات القديمة البائدة، كالفرعونية، والآشورية، والبابلية، ولما دعا الترك إلى الطورانية ودعا العرب إلى القومية، قام الأكراد وقالوا: نحن أكراد، وثار البربر في شمال أفريقيا وقالوا: نحن بربر، وتفرق المسلمون وأصبح كل تجمع يعتز بجنسيته أو قوميته أو وطنيته، أضف إلى ذلك ما جاءنا من الغرب من هذا الانبهار الذي طغى على عقول مفكرينا ورجالاتنا وأبنائنا وفتياتنا، فهذا نمط ونوع واحد من الاختلاف.

الفرقة في الأحكام العملية التي تعارض الكتاب والسنة

وهناك نوع آخر من الفرقة سببه الاختلاف في الأحكام العملية، لا أعني اختلاف الأحكام العملية الاختلاف الطبيعي الناشئ عن الاختلاف في فقه النصوص بسبب تفاوت العلماء في الفهم والإدراك، كما لا أعني به الاختلاف الناشئ من عدم وجود نص؛ فهذا النوع من الاختلاف لا يسبب فجوة بين المسلمين، وقد حدث هذا النوع من الاختلاف في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أقصد الاختلاف المذموم وهو: الإعراض عن الكتاب والسنة تقليداً لآراء الرجال، فترى الواحد يجد نصاً قرآنياً أو حديثاً نبوياً صريحاً في المسألة، ثم يقول: لكن شيخي قال هكذا، وإمامي قال هكذا، ومذهبي قال هكذا.