مشكلات الحضارة وشروط النهضة – دار الفكر

إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم مشكلته ما لم يرتفع بفكره إلى مستوى الأحداث الإنسانية وما لم يتعمّق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها (1).

 لأن بناء الحضارة لا يتم عن طريق الصدفة، بل يتطلّب نظرة منهجية تعتمد على التحليل ومعرفة عوامل البناء. ولم يكن اهتمام ابن نبي بالحضارة من قبيل اهتمام الانثروبولوجي الذي يمثّل لديه كل شكل من التنظيم للحياة البشرية نوعاً معيناً من الحضارة، فالمسألة لا تعني عنده محاولة لاكتشاف حقائق جديدة تتعلّق بعلم الإنسان، ولكنها تعني لديه تحديد الطرق المؤدية إلى الهدف المنشود وهو تحريك العالم الإسلامي المعاصر، حتى يتخلّص من رواسبه ومعوقاته وينطلق بإرادة وفاعلية نحو استعادة مكانته في التاريخ والحياة وفق شروط معيّنة. 

فالمشكلات التي تواجه العالم الإسلامي متعدّدة، وذلك يتطلّب أن نقوم بترتيبها منطقياً، حتى نعطي لكل نوع قيمته الحقيقية، دون أن نقع في شراك الشيء السهل أو شراك الشيء المستحيل مدركين بأن للحضارة قانونها الذي لا يجامل أحداً، وبذلك يستطيع العالم الإسلامي أن يشقّ طريقه نحو دورة حضارية جديدة. 

ولقد استطاع مالك بن نبي أن يحدّد المشكلات الأساسية التي تواجه العالم الإسلامي في الآتي:

• مشكلة الإنسان

• مشكلة التراب•

 مشكلة الوقت (الزمن)

ولا ريب أن مشكلة الإنسان تأتي في المقام الأول، إذ أنه هو الذي يوجّه الأشياء ويبني الحضارة، ولكن الإنسان الذي يستطيع أن يصنع الحضارة هو الكائن الاجتماعي الفعّال الذي يتحرك ويسعى، والمقصود بالتراب هو المعطيات المادية التي يجب أن تستغل جيداً لصالح المجتمع، أما الوقت فهو الزمن الذي يتم تكييفه بحيث يصبح زمناً اجتماعياً. 

إن مشكلات الإنسان والتراب والوقت هي المشكلات الأساسية التي تواجه كل مجتمع متخلّف، فإذا أراد أن يبني نفسه ويخرج من دائرة التخلّف فعليه أن يُولي اهتمامه لهذه المشكلات وأن لا يضيع جهوده بالاهتمام بالمشكلات الجزئية.

يقول مالك بن نبي ما نصّه: إن أول ما يجب علينا أن نفكّر فيه حينما نريد أن نبني حضارة أن نفكّر في عناصرها تفكير الكيماوي في عناصر الماء إذا ما أراد تكوينه، فهو يحلّل الماء تحليلاً علمياً ويجد أنه يتكوّن من عنصرين عنصر الهيدروجين وعنصر الأكسجين ثم إنه بعد ذلك يدرس القانون الذي يتركّب منه هذان العنصران ليعطيانا الماء، وهذا بناء وليس تكديساً، ذلك لأنه لو كدّس ملايين من الأطنان من الهيدروجين والأوكسجين ثم بقي ينتظر أن يتكوّن الماء فإنه لا يتكوّن وحده إلاّ بأن يبعث الله إليه شرارة من عنده.

فحينما نحلّل منتجات الحضارة ولنأخذ أياً منها ولتكن هذه الورقة فإننا نجدها تتكوّن من عناصر ثلاثة:

الإنسان: لأنه هو الذي ولدها بفكره وصنعها بيده من بغداد في العصر العباسي حيث اخترع الفكر الإنساني الورق.

فالعنصر الأول إذن الإنسان.

أما العنصر الثاني: فهو التراب إذ من التراب كل شيء على الأرض وفي باطنها، ومعنى التراب هنا ليس المتبادر إلى الذهن فقد تعمّدت ألاَّ استخدم كلمة مادة.

لأن التراب يتّصل به الإنسان بصورتين: صورة الملكية أي من حيث تشريع الملكية في المجتمع الذي يحقق للفرد الضمانات الاجتماعية، فالتراب هنا شيء حيوي في المجتمع من حيث التشريع. وهو يتّصل به بصورة أخرى من ناحية علم التراب والمعلومات التي تتصل به كالكيمياء وغيرها فالتراب نعني به هذين الجانبين: جانب التشريع وجانب السيطرة الفنية والاستخدام الفني.

 فالتراب بهذا المعنى يدخل في عناصر هذه الورقة.

وأما العنصر الثالث، فهو الزمن لأنه إذا صحّ ما أقول فلماذا لم يخترع الفكر الإنساني الورق قبل هذا التاريخ؟ إن الجواب على ذلك هو نقص تجاربه في هذا المضمار، في مضمار علم التراب والنباتات فالزمن قبل ذلك التاريخ لم يكف لتخمّر فكرة ابتكار الورق، إذن يجب أن نجهز عناصر ثلاثة حتى يتكوّن منها الورق.

 الإنسان – التراب – الوقت، وهذا التحليل يوجب عليّ أن أقول:(منتج حضارة (وهنا ورقة) = إنسان + تراب + وقت) (2). 

لقد اهتم مالك بن نبي بالحضارة من زاوية التحليل والتركيب، كما اهتم بها من الناحية الوظيفية، إذ عرّفها بأنها القدرة على القيام بوظيفة أو مهمة معينة، وأنها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفّر لكل أعضائه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتقدّمه. 

ما الحضارة 

يتساءل مالك بن نبي ما الحضارة ؟ ويجيب على هذا السؤال بقوله (أهي من نور الكهرباء وصوت المذياع وما إلى هنالك من المنتجات الحضارية ؟ إنها ليست في شيء من ذلك وحده. ليست في أن أحل مشكلة هنا ببناء مدرسة ومشكلة أخرى ببناء مستشفى من غير أن يكون ذلك كله متوائماً مع توجيه لإمكاناتنا نحو البناء في كل مكان وفي أهم مكان، أعني نحو البناء من داخل النفس بأن تغير تلك النفس الساكنة المستكينة التي انفصلت عن المجتمع وأسلمته وأسلمت نفسها إلى الجهل الذي نراه اليوم بيننا متفشياً ونرى أنه ينفع في علاجه بناء مدرسة.

والمرض الذي يتراءى لنا علاجه في بناء مستشفى الخ.

فإن هذه المشاكل الأخيرة والملحّة كلها سوف لا تجد حلها ببناء مدرسة للأولى ومستشفى للثانية. إن حلّها بإصلاح الفساد في الرأس، ذلك المنبع الذي ما زال يشيع الجهل والمرض وهي النفس الإنسانية. وحينئذ سوف يؤدي المستشفى عمله على أتمه والمدرسة أيضاً) (3).

 اهتم ابن نبي بعالم الأفكار بدلاً من عالم الأشياء وتساءل ما هي المشكلات ؟ إنها تبدو هنا الجهل وهناك الفقر – أو إطار سياسي – الاستعمار والاحتلال الأجنبي وفي مجال آخر النقص في الامكانات والثروات الطبيعية. 

لقد طرح مالك بن نبي كل هذه الأعراض في مختلف كتبه وعالجها معالجات متعددة لكنها كما رأى تصبّ في إطار واحد: إنها مشكلة حضارة نحن خارجها ومشكلة ثقافة لم يتكامل إطارها في مختلف حياتنا اليومية ونحن لذلك نضيع في شتّى النوازع والقلوب والوسائل، تتعارض الإمكانات في مختلف الأصعدة ثم تسقط هذه في هوّة الفراغ والضياع وعدم الفعالية؛ (فالقضية إذن ليست قضية أدوات ولا امكانات (…) إن القضية كامنة في أنفسنا، إن علينا أن ندرس أولاً الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان فإذا تحرّك الإنسان تحرّك المجتمع والتاريخ وإذا سكن، سكن المجتمع والتاريخ) (4).

ما السبيل إلى الحضارة 

السبيل إلى الحضارة هو قبل كل شيء طريق الفكر الذي يحدّد الوسائل ونتائجها في مدة معلومة بحيث يرى السائر ما سوف تنتهي إليه الطريق قبل أن يخطو فيها خطوة واحدة.

وعن أهمية الأفكار عنده يقول ابن نبي (لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء بل بمقدار ما فيه من أفكار، ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة كأن يحدث فيضان أو تقع حرب فتمحو منه عالم الأشياء محواً كاملاً أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة على عالم الأفكار وهنا يكون الخراب ماحقاً.

أما إذا استطاع أن ينقذ أفكاره فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، إذ أنه يستطيع أن يُعيد بناء عالم الأشياء) (5). 

ومقياس الحضارة عند ابن نبي أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها وليس العكس.

إذن ماذا نأخذ من الحضارة الغربية وماذا نترك ؟ يجيب مالك بن نبي فيقول: (إننا لا نستطيع أن نعيش منعزلين عن العالم، فحينما نقول إنه ينبغي أن نوجّه بحوثنا إلى هذه العناصر الثلاثة (إنسان وتراب ووقت) التي بها تبنى الحضارة فإن هذا لا يعني أن نترك ما انتهى إليه الآخرون لنبدأ الطريق من أوله، إن علينا أن نأخذ من الحضارة الغربية الأدوات التي تلزم في بناء حضارتنا، فإذا لم نكن نستطيع صنع الآلات مثلاً فعلينا أن نستورد هذه الآلات من الخارج حتى يأتي يوم نستطيع فيه الاستغناء عنها بمنتجاتنا.

على أنه إذا كان من العبث أن أركب الجمل في العصر الذي انتشرت فيه السيارات، فإنه من العبث الأكبر والتبذير للأموال أن أقتني أفخر السيارات وأعظمها لأنه لا حاجة بي إلى هذا النوع من السيارات طالما استطيع الاكتفاء بأقل منها درجة، فنحن في مرحلة البناء ينبغي لنا أن نقتصد في إمكاناتنا حتى نستخلص منها أقصى ما نستطيع من فائدة) (6).

 وعن الثقافة يرى مالك بن نبي أن الأفكار الغربية الليبرالية أو الماركسية هي انعكاس لواقع معين سواء أكان هذا الواقع حضارياً أو أيديولوجياً، وهذه الأفكار غير مجدية لواقعنا العربي الإسلامي، وليس ذلك لخطأ هذه الأفكار بالنسبة لمجتمعاتها، ولكن ذلك لعدم اتّساقها مع أبعاد هذا الواقع العربي الإسلامي، ويحاول أن يضع تعريفاً شاملاً للثقافة يتّسق مع واقعنا العربي الإسلامي فيقول عن الثقافة: (مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي تؤثر في الفرد منذ ولادته وتصبح لا شعورياً العلاقة التي تربط سلوكه بأسلوب الحياة في الوسط الذي ولد فيه فهي المحيط الذي يشكّل فيه الفرد طباعه وشخصيته) (7). 

والثقافة عنده ليست مجرّد علم يتعلّمه الإنسان في المدارس أو من الكتب بل هي جوّ من العادات والأذواق والقيم التي تؤثر في تكوين الشخصية وتحدّد دوافع الفرد وانفعالاته وصلاته بالناس والأشياء، ويرى أن الثقافة كنظرية للتغيير وإعادة البناء لابدّ وأن تُصاغ صياغة تربوية تعتمد على العناصر الآتية:

أولاً: التوجيه الأخلاقي: فهو يرى أن فعالية المجتمعات تزيد أو تنقص بمقدار ما يزيد فيها من تأثير الأخلاق أو نقصانها وما يعنيه هذا من التأكيد على مفاهيم الإخاء والتعاون ومبدأ الجميع للفرد والفرد للجميع وربط العلم بالأخلاق حيث يهتم بالأخلاق من الناحية الاجتماعية.

ثانياً: التوجيه الجمالي: فالقبح يعبر أساساً عن تخلّف الثقافة، وعندما نشاهد خرقاً في كساء أحد المتسوّلين يجب أن نشعر بوجود خرق في ثقافتنا، والإحساس صورة نفسية للجمال والمضمون الجمالي في كرامة الفرد يؤثر على فعالية المجتمع والجمال هو الإطار الذي تتكوّن فيه أية حضارة. وإن كان لم يتطرّق لمعنى الجمال من الناحية التطبيقية.

ثالثاً: المنطق العلمي: ويقصد به العقل التطبيقي الذي يجسّد الفعالية في النشاط سواء على صعيد الفكر أو العمل، ويرى أن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة بل منطق العمل والحركة فهو لا يفكّر ليعمل بل ليقول كلاماً مجرداً.

رابعاً: التوجيه الفني أو الصناعة: وهو يقصد بالصناعة كل الفنون والمهن والقدرات وتطبيقات العلوم، أو أن التغيير والبناء الاجتماعي في جوانبه العلمية والصناعية متوقّف على المناخات والأسس الثقافية التي تفرز الروح العلمية المنشودة. 

بهذه العناصر الأربعة تستكمل الثقافة بناءها في المجتمع وترتقي حينئذ إلى مستوى الحضارة. ويرى مالك بن نبي أنه (ليس بنافع لنا أن نفكّر في الأسباب التي تدخلنا إلى باب الحضارة من غير أن نواجه أولاً وقبل كل شيء الوسائل التي تجعلنا نخرج من باب التخلّف). 

 المراجع من كتب مالك بن نبي التي صدرت عن دار الفكر

1- ابن نبي، مالك. 1984. شروط النهضة. دمشق. دار الفكر للطباعة والنشر. ص 14.

2- ــــــ. 1984. تأملات. دمشق. دار الفكر للطباعة والنشر. ص 168.

3- المصدر السابق. ص 192.

4- ابن نبي، مالك. شروط النهضة. مصدر سابق. ص 50.

5- ــــــ. 1984. ميلاد مجتمع. دمشق. دار الفكر للطباعة والنشر. ص 34.

6- ابن نبي، مالك. تأملات. مصدر سابق. ص 170.

7- ـــــ. 1984. مشكلة الثقافة. دمشق. دار الفكر للطباعة والنشر. ص 74.

8- ابن نبي، مالك. شروط النهضة. مصدر سابق. ص 25.

No HTML was returned.